محمد بن جرير الطبري

107

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ولا ندعو سواك . القول في تأويل قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : انظر يا محمد فاعلم كيف كذب هؤلاء المشركون العادلون بربهم الأوثان والأصنام في الآخرة ، عند لقاء الله على أنفسهم بقيلهم : والله يا ربنا ما كنا مشركين ، واستعملوا هنالك الأخلاق التي كانوا بها متخلقين في الدنيا من الكذب والفرية . ومعنى النظر في هذا الموضع : النظر بالقلب لا النظر بالبصر ، وإنما معناه : تبين ، فاعلم كيف كذبوا في الآخرة . وقال : " كذبوا " ، ومعناه : يكذبون ، لأنه لما كان الخبر قد مضى في الآية قبلها صار كالشئ الذي قد كان ووجد . وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ يقول : وفارقهم الأنداد والأصنام وتبرءوا منها ، فسلكوا غير سبيلها لأنها هلكت ، وأعيد الذين كانوا يعبدونها اجتزاء ، ثم أخذوا بما كانوا يفترونه من قيلهم فيها على الله وعبادتهم إياه وإشراكهم إياها في سلطان الله ، فضلت عنهم ، وعوقب عابدوها بفريتهم . وقد بينا فيما مضى أن معنى الضلال : الأخذ على غير الهدى . وقد ذكر أن هؤلاء المشركين يقولون هذا القول عند معاينتهم سعة رحمة الله يومئذ . ذكر الرواية بذلك . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، قال : ثنا عمرو ، عن مطرف ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، قال : أتى رجل ابن عباس ، فقال : قال الله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وقال في آية أخرى : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً قال ابن عباس : أما قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فإنه لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام فقالوا : تعالوا لنجحد قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله تعالى : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ قال : قول أهل الشرك حين رأوا الذنوب تغفر ، ولا يغفر الله لمشرك ، انظر كيف كذبوا على أنفسهم بتكذيب الله إياهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ثم قال : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً بجوارحهم . حدثنا ابن وكيع ، قال ثنا أبي ، عن حمزة الزيات ، عن رجل يقال له هشام ، عن سعيد بن جبير : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ قال : حلفوا واعتذروا ، قالوا : والله ربنا . حدثني المثنى ، قال : ثنا قبيصة بن عقبة ، قال : ثنا سفيان ، عن سعيد بن جبير ، قال : أقسموا واعتذروا : والله ربنا . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، عن حمزة الزيات ، عن رجل يقال له هشام ، عن سعيد بن جبير بنحوه . حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن سفيان بن زياد العصفري ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ قال : لما أمر بإخراج رجال من النار من أهل التوحيد ، قال من فيها من المشركين : تعالوا نقول : لا إله إلا الله ، لعلنا نخرج مع هؤلاء قال : فلم يصدقوا ، قال : فحلفوا : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ قال : فقال الله : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي يشركون به . حدثنا الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا المنهال بن عمرو ، عن سعيد عن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ قال : لما رأى المشركون أنه لا يدخل الجنة إلا مسلم ، قالوا : تعالوا إذا سئلنا قلنا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ . فسئلوا ، فقالوا ذلك ، فختم الله على أفواههم وشهدت عليهم جوارحهم بأعمالهم ، فود الذين كفروا حين رأوا ذلك لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً . حدثني الحرث ، قال : ثني عبد العزيز ، قال : ثنا مسلم بن خلف ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : يأتي على الناس يوم القيامة ساعة لما رأى أهل الشرك أهل التوحيد يغفر لهم ، فيقولون : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ قال : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى